الشيخ محمد علي طه الدرة
85
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
يَكُنْ . . . إلخ في محل نصب مقولة لقول محذوف ، التقدير : وقل لهم : إن يكن . . . إلخ ، وهذه الجملة معطوفة على جملة : حَرِّضِ . . . إلخ لا محل لها مثلها وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً إعراب هذا الكلام مثل سابقه ، وهو معطوف عليه . مِنَ الَّذِينَ : متعلقان بمحذوف صفة : أَلْفاً ، وجملة : كَفَرُوا مع المتعلق المحذوف صلة الموصول ، لا محل لها ، هذا ؛ ولا تنس أنه قد وصف عشرون في الجملة الأولى ب تَصْبِرُونَ ، ولم يصف مِائَةٌ في الجملة الثانية ، وأثبت سبحانه في الثانية قيدا ، وهو قوله مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وحذفه من الأولى ، فحذف من كل منهما ما أثبته في الآخر ، ويسمى مثل هذا في فن البلاغة احتباكا . بِأَنَّهُمْ الباء : حرف جر . ( أنهم ) : حرف مشبه بالفعل ، والهاء اسمها . قَوْمٌ : خبرها ، وجملة : لا يَفْقَهُونَ في محل رفع صفة قَوْمٌ ، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء ، والجار والمجرور متعلقان ب يَغْلِبُوا في الموضعين ، أفاده الجمل ، وهذا يعني أنه على التنازع ، وأرى أن الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف ، التقدير : ذلك بأنهم . . . إلخ ، وله مثل كثيرة في كتاب اللّه تعالى ، انظر الآية رقم [ 61 ] المائدة و [ 85 ] منها وغيرهما كثير ؛ وعليه فالجملة الاسمية : بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ مستأنفة لا محل لها . تأمل ، وتدبر ، وربك أعلم ، وأجل ، وأكرم . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 66 ] الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 66 ) الشرح : عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : لما نزلت إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ كتب على المؤمنين ألا يفر واحد من عشرة ، ولا عشرون من مئتين ، أي : من مقابلتهم في ساحة الحرب ، ثم نزلت الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ فكتب أن لا يفر مئة من مئتين ، وفي رواية أخرى عنه ، قال : لما نزلت إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ . . . إلخ شق ذلك على المسلمين ، فنزلت : الْآنَ خَفَّفَ فظاهر هذا أن الآية الثانية ناسخة لما تقدم ، ولما خفف اللّه عنهم من العدة نقص عنهم من الصبر بقدر ما خفف عنهم . انتهى . خازن بتصرف كبير ، هذا ؛ وعلم ليس على ظاهره ، فعلم اللّه بضعفهم قديم أزلي . أقول : الآيتان يطلق عليهما آيات المصابرة ، وأن الثانية ناسخة للأولى ، وهذا النسخ من الأشد إلى الأخف ، ويفهم من لفظ : ( شق ذلك على المسلمين ) : أن الثانية متأخرة عن الأولى في النزول . الْآنَ : هذه الكلمة ملازمة للظرفية غالبا ، مبنية على الفتح دائما لتضمنها معنى الإشارة ، وألفها منقلبة عن واو لقولهم في معناها : الأوان ، وقيل : عن ياء لأنه من آن يئين : إذا قرب ،